الاثنين، 16 أغسطس، 2010

الوعي الشرعي


الوعي الشرعي
الشيخ محمد الددو

 خطوات الوعي الشرعي:

الخطوة الأولى: معرفة الله وأسمائه وصفاته وخلقه ووحيه:


يقول تعالى:
(اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)

- التأمل في خلق الله في هذا الكون من مجرات ونباتات وغيرها:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)

(أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)

(وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ ...(53)

سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبَعْرَة تدل على البعير، فسماء ذات أبراجٍ وأرض ذات فجاج وبحارٌ ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟

- تشريعه جل جلاله للبشر، فإن الله يعلم مدى ضعف البشر في معرفة مصالحهم، فشرع لنا ما يضمن مصالحنا في الدنيا والآخرة، وهذا التشريع الدقيق الذي ليس فيه تناقض وصالح لكل زمان ومكان، كما أن فيه مراعاة للحقوق ومختلف أحوال الإنسان، وفيه المرونة والسهولة واليسر، وما من شيء حرمه إلا وله ضرر، وما من شيء أوجبه إلا وفيه صحة، وما من شيء ندب عليه إلا وفيه مصلحة، وبهذا التشريع يعرف الإنسان قدرة الله تعالى.

- المحبة، فالإنسان يعرف ربه بالفطرة، يقول تعالى (... فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ...(30)، ومن الناس من يوجه هذه المحبة لآخرين (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ... (165) قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" وهذه الأمور كلها من شأن العابدين.

حقيقة الإنسان:

يتكون الإنسان من ثلاثة عناصر: العقل الذي شرفه الله به على سائر الحيوانات، والبدن الذي خلق من تراب، والروح التي هي نفخة من الله ، حيث جاء الخطاب الشرعي على أساسها:
 فالإيمان: هو خطاب الله للعقل

والإسلام: هو خطاب الله للبدن

والإحسان: هو خطاب الله للروح

ولا بد من توائمها واعتدال الإنسان بها حتى يعتدل، فإذا ركز على أحدها وأهمل البقية وقع في اختلال كبير. فإذا اعتنى الإنسان ببدنه وأهمل عقله وروحه فسيصبح ضخما لكن ليس له معنى، وكما قال حسان بن ثابت –رضي الله عنه:

لا بأسَ بِالقَومِ مِن طولٍ ومن عِظَمٍ * جُسمُ البِغالِ وَأَحلامُ العَصافيرِ

وكذلك من اهتم بعقله وأهمل روحه وبدنه فضعف ومرض، فتصبح لديه المعلومات ولكن ليس لحياته فائدة، وقال ابن تيمية عنهم: "أوتو ذكاء لكن لم يعطو زكاء"، أي انهم أوتوا المعلومات والذكاء، ولكنهم لم يعطوا تزكية الله لنفوسهم وقلوبهم.

وكذلك إذا اهتم الإنسان بالروح وأهمل البدن والعقل فإنه سيكون كائنا متلبساً بالجن أو ساحراً،

ولهذا احتيج إلى التوازن بين الثلاث، وجاء الشرع جامع بينها، وكما قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" فجمع بين الثلاث الإيمان والإسلام والإحسان.


إذا عرفت ربك بمحبته، فاعلم أن أسباب المحبة خمس:


1. الكمال والجمال: فكل جميل محبوب، والله –جل جلاله- يتصف بكل جمال، فما من وصف جميل إلا واتصف به تعالى.
2. اللطف وإحسان المعاملة: فالله تعالى هو أرحم الراحمين، وهو اللطيف الذي أنشانا من العدم ورعانا، ثم انعم علينا بعد ذلك بأنواع النعم الكثيرة،
3. الإحسان: فالله تعالى قد أحسن إلينا وأخرجنا من الظلمات إلى النور وهدانا للإسلام وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس وأرسل إلينا خير الرسل، يقول الشاعر:
أحسن الظن بمن قد عودك * حسناً أمس وسـوى أودك
إن رباً كان يكفيك الـذي * كان بالأمس سيكفيك غدك
ولهذا فمن واجبنا التوكل عليه، يقول تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) وقال: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وقال كذلك: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) وقال: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)
4. الرجاء: فنحن لا نرجو الخير إلا من الله جل جلاله، فكما أننا لا نجد في الماضي من خير إلا أعطانا، فكذلك لا نؤمل في المستقبل إلى منه، فهو الحي الذي لا يموت، وهو الذي نرجو أن يختم لنا بخاتمة السعادة، وأن يبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، ونرجو أن يعطينا كتبنا بأيماننا، ونرجو أن يرزقنا الفرح بلقائه/ ونرجو أن يثبتنا على الصراط، ونرجو أن يسكننا الفردوس الأعلى بجوار النيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا. رجاؤنا لله لا ينقضي في الدنيا والآخرة.
5. العلاقة: أشد العلاقات وأقواها علاقة العبد بربه؛ فهي علاقة متينة، وهو أقرب إليك من حبل الوريد، وأنت عبده "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك (أمتك) وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" هذه الكلمات فيها تجديد العهد قالها رسولنا عليه الصلاة والسلام وقال أن من قالهن موقنا بهن دخل الجنة.

فهذه الأمور الخمسة تحقق لك محبة الله تعالى

الخطوة الثانية:معرفة علاقتك بالله:
على أن تعرف أنك عبد لله، فلا بد للعبد أن يستسلم لسيده، وعلى هذا فلا بد أن ترضى بما قدره الله لك، وأن تأخذ ما أعطاك وأن تجتنب عما نهاك. فإنك إلم تعرف هذه العلاقة، فيمكن أن تستكبر وتستنكف كما فعل إبليس عندما أمره الله بالسجود فامتنع، وإذا لم تعرف هذه العلاقة تطيعه فيما ترغب وتعصيه فيما لم ترغب في تطبيقه من أوامره، ويكون عقلك هو المسيطر في العلاقة، أو تكون تابعاً لهواك فيكون كمن اتخذ إلهه هواه، فيكون كلما اشتهى اشترى وكلما مال إلى شيء اتبعه، وهذا النوع أضر الناس، ولهذا فلا بد أن تكون عارفاً بعلاقتك بربك مستوعباً لها، كما يجب أن تخنع وتخضع لله وحده، وقد ورد في حديث القنوت الذي أصله آيتين من سورتين من مصحف أبي بن كعب: "اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونخنع لك، ونخلع، ونترك من يكفرك.اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق" فقولك في خطابك لله ل جلاله نخنع لك ونخضع لك، ونخنع لك معناه نذل، كما قال الشاعر:

أجلك يا ليلى عن العين إنما * أراك بقلب خاشع لك خانع

كما انك محتاج لله، فحاجتك إليه تزيدك غنى عن غيره، وثقة به وتوكلا عليه، فالمخلوق إذا توكلت عليه ملّك، كما قال الشاعر:
من عف خف على الصديق لقاؤه * وأخو الحوائج وجهه مملول

لكنه جل جلاله كلما ازددت دعاء وكسرت الحواجز كلما زاد عليك بالعطاء، يقول الشاعر:
لا تسألن بني آدم حاجة * وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله * وبنو آدم حين يسأل يغضب
ويقول آخر:
إذا عرضت لي في زماني حاجة * وقد أشكلت فيها علي المقاصد
وقفت بباب الله وقفة ضارع * وقلت يا إلهي إنني لك قاصد
ولست تراني واقفاً عند باب من * يقول فتاه: سيدي اليوم راقد

فلا بد للإنسان أن يحقق هذا الخضوع لربه وأن يعلم أنه صفة النفس أن يخضع لربه، وإن الإنسان يخضع لربه حتى يكسر جانب الطغيان: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ( 6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) ولن يتحقق هذا إلا بكمال معرفتك بالله.

الخطوة الثالثة والرابعة: معرفتك بمن أرسله الله إليك وعلاقتك به:
وقد اختار الله من البشر من يتلقى الرسالة ويصله الوحي ليبلغها وأيدهم بنصره، وختم بهم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث جعله أسوة صالحة حسنة، وهم دليل على أن الأوامر الشرعية ليس فيها عبث ولا مشقة، فالأمر إذا جاء نظريا ولم تره يطبق عملياً قد يشق على الإنسان لأن الواقع له إجراءات، ومعرفتك بالطريق الذي يصلك بربك يحتم عليك معرفة رسولك، فتعرف أنه غير متصف بصفات الألوهية، وأنه يستحق منك كل رفعة واعتناء، قال تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ ... (63) وقال:(  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5).
فالتعامل مع رسولنا عليه الصلاة السلام يكون بلا إفراط ولا تفريط؛ الإفراط هو الغلو فيه والذي نهى عنه رسولنا عليه السلام فقد قال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله " وأما التفريط فهو عدم الأدب معه، وقد قال عليه السلام: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"، وقال لعمر: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك"، فلذلك لا بد أن تفديه بنفسك، وأن تدرك علاقتك به، وأن تتبعه، يقول الله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) وقد شرفنا الله بأن جعل إمامنا هو خاتم المرسلين وهو محمد صلى الله عليك وسلم، ولا بد أن نستشعر هذا التشريف، كما فال الشاعر:
وأنني من أمة المصطفى * والمصطفى فازت به أمته

وقال آخر:
ومما زادني فخراً وتيها * وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي * وأن صيرت أحمد لي نبيا

عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن نستشعر إمامته لنا، وهذا حقه علينا، ففي المجال الدعوي إذا أردت أن تحقق قول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) والمتأمل في سيرته يجد ذلك (ذكر بعض الشواهد)، فقد قامت تربية الرسول عليه السلام على خمسة أركان:
1. الربانية: وما فيها من لاتصال بالله.
2. التربية: وقد ربى أتباعه تربية مغايرة لما كان علي المجتمع (أمثلة من الخلفاء الراشدين قبل وبعد إسلامهم).
3. حسن الخلق: فقد آخى بين أصحابه، وقال: "لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى" و "كلكم لآدم وآدم من تراب" و "الناس سواسية كأسنان المشط " فقد كانوا جميعا يرجعون إلى أصل واحد وهو شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا يبالون بأي رابطة غير الرابطة الإيمانية، والروابط التي تربط الناس بالروابط غير الإيمانية ست، وهي السابعة:
1- النسب: وهي رابطة ضعيفة لأنها تنقض، وقد قال تعالى : (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)، ولذلك كان الاختلاف بين أول أسرة بشرية: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ ... (27).
2- اللون: وهي رابطة ضعيفة أيضا؛ لان الأسرة الواحدة نجد أوان أبنائها متفاوتة، ومن ذلك أن‏ ‏رجلاً ‏ ‏أتى النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود. فقال" "هل لك من إبل؟" قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟" قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟" قال: نعم، قال: "فأنى ذلك؟" قال: لعله نزعة عرق. قال: "فلعل ابنك هذا نزعة عرق". فالألوان تابعة لنمط العيش وتعرض الإنسان لأشعة الشمس، يقول تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) .
3- اللسان واللغة: ولا شك أن اللغة مهمة في التفاهم والتعاون بين الناس، ولكن اللغة عامل سهل المعرفة، فبإمكان الإنسان تعلم لغات العالم، ولذلك فهي ليست برابطة قوية لسهولة تعلمها.
4- المصالح:  فالمصالح الدنيوية يجتمع عليها بعض الناس ولكنها سرعان ما تنقطع فكل من أحبك لمصلحة ما فلم يجدها فسينقطع عنك، وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما".
5- الوطن: فالذين يسكنون في وطن واحد أو ولدوا به أو عاشوا به تتعلق قلوبهم به، فيكون ذلك عاملا للربط بينهم، ولكن هذه الرابطة ضعيفة، ولهذا وضعت الإجراءات الروتينية في البلاد، وكم من إنسان هاجر إلى بلد فوجد فيه راحة وسعادة
6- الفكر: ولكنها رابطة متغيرة، فقد يغير الإنسان رأيه لأن الإنسان يخطئ، وكما يقول الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

وهذه الروابط الست ضعيفة أمام الرابطة الإيمانية، ولذلك قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ ... (24) فنريد أن نستخرج الروابط من هذه الآيات:

(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ) تشير إلى رابطة النسب.

(وَعَشِيرَتُكُمْ) تشمل اللون واللسان

(وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا) تشير إلى رابطة المصالح

(وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا) تشير إلى رابطة الأرض أو الوطن.

(اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ) يشير إلى الرابطة الإيمانية

فلا بد أن يحقق الإنسان هذا الإخاء الذي جاء بها رسولنا الذي يقوم على أمرين: إقامة الدين وعدم التفرق، يقول تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ ... (13) فلم يأت النبي إلا به، ولذلك فإن التفرقة ضرب من ضروب العداء، كما قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ... (65) وهي مظهر من مظاهر الشرك، يقول تعالى (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وبين أن هذا ديدنهم، فقال (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ... (119)، وسماها رسول الله عليه السلام الحالقة، وقال (لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)، ولذلك قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وقال (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).

4. الأخذ بالأسباب: فلم يترك أي سبب يؤدي إلا النصر إلى وعمله، فقد كتب إلى كل الملوك، وأخرج الجيوش والسرايا، وبذل المال، كما استفاد من الحضارات الأخرى كفكرة الخندق من حضارة فارس، وفكرة الخاتم من حضارة الروم، فقد قيل أنهم لا يكتبون كتاباً إلا ويختمون فيه، وفكرة المنبر من حضارة الحبشة. فالاستفادة من الحضارات ليس فيه خنوعاً وإنما الحضارات البشرية تستفيد من بعضها البعض، فلذلك لا نستكين أبداً من أي استكشاف نافع.

5. التدرج: فقد مكث الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاث عشرة سنة وهو يربي أصحابه، بعدها ثلاث عشرة سنة حكم فيها الخلفاء الراشدون وكانت قرونهم من أفضل القرون وهذا يدلنا على أهمية التربية، كما أن رسولنا عليه الصلاة والسلام لم يكسر أي صنم ولم يقتل أي علم من أعلام قريش حتى بعد عودته لمكة، مما يدلنا على أن كل شيء يتم بالتدريج وهذا من الحكمة.

الخطوة الخامسة: معرفتك بشرع الله:

وتقوم هذه المعرفة على أساس:
التمييز بين مراحل الأمر:
 فشرع الله فيه أموار وفيه نواهٍ منها ما هو جازم ومنها ما هو غير جازم، وتلك أربعة أقسام:
1. أمر جازم: وهو الواجبات: وهذه إذا عرفتها لا بد أن تبادر إليها لأنها ليس فيها خيار.
2. أمر غير جازم: وهو السنن والمندوبات: وهذه من تمام عقلك وتدبيرك أن تبادر إليها وألا تهملها أبداً؛ لأنها سياج للواجبات كما أن الواجبات سياج لأصل الدين وعقيدته.
3. نهي جازم: وهو المحرمات: لا بد إذا عرفته أن تبتعد عنها، (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ ... (32) أي لا يقترب الإنسان منه أبداً.
4. نهي غير جازم: وهو المكروهات، وتركها أولى، فلا بد أن يحذر منها الإنسان ما استطاع.
ثم بعد ذلك مسدل الطرفين وهو المباح، وهذا يزنه الإنسان بميزان العقل وينظر إلى الوقت الذي هو فيه هل الأولى به الفعل أو الترك بعد أن يتحقق الإنسان منه إن كان من المباحات.
كثير من الناس اليوم لا يميزون بين دائرة الحلال ودائرة الحرام؛ لأنهم يزنون كل شيء بميزان الدائرة الوسطى وهي دائرة المباحات، فيأخذون من الحلال ما يوافق مصلحتهم ويأخذون من الحرام ما يوافق مصلحتهم لأنهم لا يميزون بين هذه الدوائر، ولكن الواقع أن معرفة شرع الله تتحتم عليك التمييز بين هذه الدوائر، فتضع (×) على دائرة المحرم ولا تخف، وتضع (صح) على دائرة المأمور به وهذه لا بد منها، والدائرة المسدلة الطرفين تقسمها بميزان المصلحة؛ فليس مفروضاً عليك أن تفعل كل المباح.

 كما تقتضي المعرفة بشرع الله التفريق بين ثوابته ومتغيراته:
فشرع الله فيه ثوابت وأصول يبنى عليها غيرها، وهذه الأصول وهي ما يكون في الاعتقاد مثلاً أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره. وهذه الستة أركان هي الأصول في العقيدة، وما زاد عن هذه الأصول فهو فروع واستثمارات لهذه الأصول.
كذلك في مجال العمل وهو الإسلام خمسة أصول (بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) وهذه أصول وما زاد عليها فهي فروع واستثمارات. 
وفي مقابلها أيضاً التروك، والتروك نظيرتها الترك، كترك الشرك وترك قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وترك الزنا وترك السرقة وترك شرب الخمر وترك القذف وترك الربا وترك أكل مال اليتيم ونحو ذلك من كبائر الذنوب التي تعتبر تروكها أساس في الإسلام.
فالثوابت هي المعلوم من الدين الذي لا بد منه، سواء تضمنه كتاب أو سنة أو حصل به إجماع من المسلمين فهذه ثوابت. ما سواها، وهو الاستثمارات التي نستثمر نحن عقولنا بها وعندنا أصول تحاول استثمارها لتغطي أكبر المساحات. ونحن نقول إن الاجتهاد في علوم الشريعة وفي علوم الاقتصاد وغيرها من العلوم، فالاقتصاد يعني: العلم الذي يمكن من خلاله تغطية الحاجيات غير المحصورة من الموارد المحصورة. والسؤال كيف تغطي احتياجاتك من دخلك المحصور؟ هذا هو الذي يُبحث في علم الاقتصاد فيبحث عن الادخار وترتيب الأولويات وهكذا. وعلم الاجتهاد في علوم الشريعة هو كذلك؛ لأن الشريعة محدودة بكتاب الله وسنة رسوله، وهما محصوران لا يمكن زيادتهما، فقد ختم الوحي من الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)، بينما النوازل غير محصورة فنحتاج نحن إلى استنباط أحكام (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ ... (83) ما قال لعلموه جميعهم، بل قال لعلمه الذين يستنبطونه منهم، فالاجتهاد هو استثمار في النصوص. 
والأصوليون قسموا اللفظ الشرعي إلى قسمين: واضح الدلالة وخفي الدلالة، وكل واحد منهما قسموه إلى أقسام منه النص ومنه ظاهر، وطرق دلالة الألفاظ على الأحكام عندهم هي دلالة المنطوق ودلالة المفهوم ودلالة الإشارة وبمقتضاه ودلالة المعقول التي هي القياس عليه، والمعنى الواحد يدل على المعنى من أربعة أوجه: يدل بمنطوقه وبمفهومه وبمقتضاه وبإشارته وبمحدوده أي القياس عليه، ومن هنا كانت الأدلة غير محصورة لأن مدلولاتها غير محصورة، فيمكن أن تغطي كل مسألة. 
وما من مسألة إلا ولله بها حكم من خلال النصوص المحصورة، وبهذا تميز بين الثوابت والمتغيرات في الشرع، فاجتهادات البشر ليست من الثوابت وإنما من المتغيرات، والنصوص الوحيية من الثوابت وليست من المتغيرات، ولذلك ليس الدليل مذهباً لأحد فهو وحي من عند الله.
والمذاهب طرق للتعامل مع النصوص، فهي ليست ديانات، والتعصب المذهبي الذي ساد في هذه الأمة سببه عدم معرفة معنى المذهب وعدم الوعي بهذا المدلول، فمعنى المذهب طريقة يختارها المجتهد للتعامل مع النصوص، ومن هذه الجزئية ف ليست المذاهب الفقهية عبارة عن هذه الجزئيات التي يحصرها الفقهاء وكثير منها ما خطر على ذهن المجتهد وإنما هو تفريعات على أقواله وتخريجات على مسائله، وبهذا يعرف الإنسان التمييز بين الثابت والمتغير. 
ويدرك أيضاً أن الثابت لا خلاف فيها، فالخلاف منطقته هي حيث لا يوجد قطع. فإذا وجد القطع فلا بد من الاستسلام للشرع، وإذا لم يوجد فقد أمكن الخلاف، والخلاف عندنا ينقسم إلى قسمين: خلاف المرفوض وهو حيث يوجد النص القاطع (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وخلاف مقبول، وهو الخلاف السائد وهو حيث لا قطع، حيث لم يجيء نص قطعي الدلالة أو جاء ولكن لم يكن قطعي (الظهور "مو متأكدة من الكلمة") وهذا الخلاف ينقسم لقسمين: محسوم وهو الذي ترجح أحد طرفيه بالدليل (وبينهما امور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ... )، وغير محسوم، حيث تساوى فيه الدليلان أو لم يرد فيه دليل لأي طرف من الطرفين، فيجد الإنسان نفسه في سعة منه، فإذا أخذ بأي القولين فدليله واضح لديه، وأحوال المجتهدين هنا خمسة: الأولى أن يجد دليلاً عرض قطعاً صحته وعرض قطعاً دلالته فهذا ليس بالخيار فيه فعليه الاتباع، والثانية أن يجد دليلاً عرض قطعاً صحته ولكنه لم يعرض دلالته وحينئذ لا بد من العودة إلى الأصول لأن الدلالات إنما تبحث في الأصول، الثالثة أن يجد دليلاً عرض دلالته قطعاً، ولكنه تردد في صحته وهنا لا بد من الرجوع لأهل الحديث الذين يعرفون الصحيح من الضعيف، الرابعة أن يجد دليلين تعارضا وتساويا في حكم مسألة وهنا يرجع للترجيح من الأصول أيضاً، والخامسة ألا يجد دليلاً في المسألة أصلاً فتكون المسالة من المسكوت عنه كالمسائل الجديدة، فإن كان من أهل الاجتهاد لزمه الاستنباط فيها، وإن لم يكن فيسعه التقليد فيها (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، والمجتهد إذا اجتهد في النوع الخامس فإنه لا يسعه أن ينكر على من خالفه لأنه اجتهاده.

الخميس، 12 أغسطس، 2010

هذه تجربتي في صناعة الوعي


تجربتي في صناعة الوعي

د. عوض القرني


الوعي بالذات:
- الخلل في الفهم ينتج عن الخلل في الوعي بالذات، ومن هنا تنبع أهمية الوعي بالذات.
- هل نتحدث عن الوعي المادي الجسدي أو بذاته في جانبه العقلي الذي مازال الفلاسفة يخوضون فيه عبر آلاف السنين، هذا الشيء الذي يدرك كنهه ولا تدرك تفاصيله، فمكوناته المادية تشترك مع باقي المخلوقات، ولكن العقل هو ما ميز الإنسان ولذلك كان التكليف والسيطرة والسيادة على الوجود المادي مرهون بالعقل، فإذا ذهب العقل ذهب كل ذلك، والإنسان بعقله إنسان أكثر بأضعاف كثيرة مما هو إنسان، أم نتحدث عن الجانب النفسي الذي يدمج تفاعل العقل مع البدن مع البيئة، وهل نتحدث عن العقل؟


قبل البدء:
- الإنسان بهذه المكونات كلها استخلف في هذا الكون وكانت له وظيفة ورسالة ودور أهلت بمؤهلات ليؤديها ويقوم بها  ، وتحتها تأتي كل الجوانب الدينية والروحية.
- عندما نجد تطابقا بين المؤهلات والرسالة نعرف أن الإنسان أدى ما خلق له.
- كل المؤهلات أتت قدراً لا كسبا، فإذا أتت مع ما نزعم أنه رسالتنا وفطرة الإنسان فبديهيا أنها صحيحة ومنطقية.
- فطرنا وعقولنا ترفض الاقتناع بأن الأمور خلقت بلا غاية، وهكذا خلقنا، وهذا ما يجعلنا بديهياً نذهب بالأمور إلى أصحابها.
- من الخطأ البحث عن الأشياء وعن وظائفها ودورها الذي تؤديه عند غير صانعها أو المتخصص بها.
- (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)، من ينكر خلق الله له فإما انه قد خلق نفسه أو أنه خلق من غير خالق والخيار الثالث أن هناك موجد، ولا يمكن تصديق غير الخيار الأخير.
- (قصة الشيخ الذي تأخر على الملحدين وقال لهم أن القارب الذي يصنع نفسه بلا نجار)


أول خطوات الوعي بالذات هي الوعي برسالتنا في الحياة أو صناعة الحياة:

  •  عندما نريد أن نعي ذواتنا من خلال وعينا برسالتنا فلا بد أن نتجه للبحث عن حقيقة هذه الرسالة عند من يملك التأهيل ليحدثنا بتلك الرسالة؛ لأن الله خلقنا وخلق الكون كله يتفق مع هذه الرسالة.

  •  إن لم نبحث عنها فحياتنا بلا معنى، بل قد يشقي الإنسان نفسه ويشقي الكون كله إذا لم يعرفها، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ).

  •  يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) فحين لا يعي الإنسان رسالته يتحول هذا المذلل والرزق إلى فساد ودمار وشقاء.

  •  لم يكلفنا الله بما ترفضه عقولنا أو فطرنا

  •  حسب كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، فإن رسالتنا في الحياة هي عمارة الحياة والدنيا والكون بعبادة الله على الطريقة الصحيحة ومقتضى وضوء منهج الله سبحانه وتعالى.


- لم يخلق الناس لينبذوا الدنيا، ومن الخطأ ما نراه من البعض الذين يجعلون الحياة الدنيا والآخرة كطرفي نقيض، فدين الله الحق يقول أنكم لن تسعدوا في الآخرة ولن تنالوا رضوان الله ما لم تعمروا العمارة الحقيقية، وبغير ذلك لن ينجو الإنسان في الآخرة.


إضاءات:
- العقائد التي تعتمد على الغيبيات والوحي محدودة، والشعائر محدودة، وإن كان لها تأثير دنيوي هائل، ثم يأتي بعد ذلك الباب الواسع التي هي الأحكام الدنيوية التي تتضمن كل التفاصيل حتى في المشي والنوم وغيره، وفي شتى المستويات؛ الشخصي أو الأسري أو الاجتماعي إلى غير ذلك من المستويات، وكلها في وحي الله من ميراث النبوة (‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا). ومن الخطأ ما يفعله البعض من نبذ كل هذا بجرة قلم تدعو لنبذ الدنيا بما فيها، وهذا ليس من دين الله، ولهذا دخلت تلك المرأة البغي للجنة بسبب كلب سقته
- لن تعمر الأرض بشكل حقيقي إلا إذا حولت إلى محراب لعبادة الله تعالى، وذلك بأن نجعل النظام التي تسير وفقه الحياة هو المنهج الذي جاء به من خلق الحياة، ولهذا يقول تعالى عمن فقه هذا المعنى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وهذه الحياة الطيبة هي مطلب جميع الحضارات والتشريعات، وهنا يتعهد الله لنا بجميع المؤكدات (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) لكنه رتبه على إيمان وعمل صالح، وهذين لا يتحققان إلا وفق منهج الله تعالى، وإذا اختل أحد الشرطين لم تعد حياة طيبة، ثم ربط الدنيا بالآخرة بقوله سبحانه: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). ولنأخذ الصورة المقابلة، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) حياة ضنكا بحسب طبيعة إعراضه حتى لو توفرت له الدنيا، نرى الآن أن البشرية أبدعت في هذا الزمن في صنع وسائل الترفيه أكثر من أي زمن، وبالرغم من ذلك فهي تعيش الضنك والخوف والتهديد ما لم تعشه في أي عصر سابق، وهذا لأن الإعراض في زماننا أكبر. ثم ربطها بالآخرة بقوله (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). إذا، فالسعادة الحقيقية في الآخرة مرتبطة بالدنيا، وهذه السعادة لا يمكن لأحد أن يحولك عنها أحد على الإطلاق سواء كنت فقيراً او غنياً أو معافى أو مريض وغير ذلك، ولكن من فضل الله أنه لم يجعل مفاتيح هذه السعادة بيد أحد.

حتى نجعل الحياة محراب لعبادة الله يقام فيها الحق والعدل، علينا:

  •  استمداد التوجيه من الله، وفي هذا تكليف وتشريف لنا وليس فيه إلغاء لشخصياتنا، كما أن فيه تفعيل لطاقاتنا وإمكانياتنا البشرية. وبهذا التوجيه سنتمكن من السير في طريق صحيح بدل التخبط يمنة ويسرة والغوص في الضنك، وقد قال الله تعالى عن هذا التوجيه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ليس للمسلم فقط ولا للإنسان فقط أو الإنس والجن بل للعالم كله. وهذا منهج للعالم كله، وأول خطوات قيامه في داخل النفس (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، والنفوس البشرية فطرت على السير على تشريع وتوجيه ومنهج وتنظيم معين إما تسمو به وترتقي وترتفع وذلك بالسير على منهاج الله، أو أن يصنعه الإنسان بما فيه من فقر وظلم فيضيع.

  •  الإنسان فطر ليعمل، فخواطره وأفكاره وانفعالاته تحول إلى أشياء ملموسة، وهذه الطاقات لا بد أن توجه إلى الله تعالى، وهذه أعلى درجات الحرية التي يمكن أن يسعى إليها الإنسان، ومن صوره أنه لم يتح لأحد أن يشرع لك شيئاً حتى رسولنا عليه السلام، يقول تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) ، ويقول: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ولذلك سمي رسولاً، يقول تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)


- لقد أعطينا الخيار ونتحمل المسؤولية في اختيار المنهاج الذي نريد سواء كان من الله أو ليس منه، ولذلك قال (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم) ، وقوله تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، فإما أن نختار منهاج الله أو نسرح بلا منهاج أو نقبل منهاج الله نظرياً ونرفضه عملياً.


المؤهلات  التي وضعها الله للإنسان من أجل تحقيق رسالته:

  •  أن الله خلق لنا هذه الكون، وأودع فيه كل ما يحتاجه الإنسان في رحلته أثناء تكليفه وحمله رسالته، فقد خلق هذا الكون قبل خلق الإنسان بملايين أو مليارات السنين، ولم يجد الباحثون حتى الآن عالماً يصلح لحياة الإنسان فيه مثل الأرض. فهذا الماء وهذه التربة وهذه الحرارة والبرودة وحبة الفاكهة وورقة الخضار قد خلقت قبلك بملايين السنين لتناسب حياة الإنسان.

  •  أن الإنسان خلق بمكونات وفطرة تجعله لا يصلح إلا لهذه الوظيفة وهذه الرسالة وهذا الدور الذي يؤديه، أي أنه لن يجد ذاته وسعادته.

  •  أن الإنسان أعطي المنهج الذي يسير وفقه كاملاً وشاملاً ومفصلاً وواقعياً، وأنزل له الوحي من الله سبحانه وتعالى، وتعاقب عليه الأنبياء والمرسلون.

  •   أن الله فطر الإنسان على التحرك وفق مرغبات، والتوقف عن العمل بسبب المخاطر والمخاوف، وقد أعد له في الدار الآخرة إما نعيم مقيم، وأقام الأدلة والمعجزات على صدق تبليغ الرسالة من قبل المرسلين ثم على وجود هذا النعيم الذي لا يخطر على خيال بشر، وفي المقابل نار جهنم، فإما أن تتكامل السعادتان (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) أو يكون شقاءان (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).

- فهذه المؤهلات الأربعة تمكن الإنسان من أداء رسالته كما أراد الله سبحانه وتعالى،

من القضايا المنهجية التي لا بد من الإشارة إليها عند الحديث عن الوعي بالذات:  
1. السنن الربانية:
إن هناك سنن ربانية حاكمة لوجودنا ولوجود الكون من حولنا، ولا بد أن نفقه هذه السنن حتى نستجيب لأمر ربنا ونعيش حياتنا بأعلى صورة من صور السعادة، وقد فطر الله عليها الوجود المادي والكوني كله، فهي إحدى المحددات التي على أساسها نوجد الوعي. وفقه السنن من أكثر الأمور التي يتوجب على المسلمين معرفتها لتوفر أدلتها لديهم. فالمنتج لم يوجده الناس ولكن البشر اكتشفوها والبعض وظفها لمصلحته، ومن ذلك صناعة الطائرات من مواد ثقيلة لكنها لا تسقط بفعل اكتشاف السنة، وهذا مثال بسيط، فهناك الكثير من الأمور الأخرى التي تنطلق من الفقه بسنن الله تعالى التي كانت قبلنا.
2. الاستطاعة والإمكانية وحدودها:
 أي ألا يعيش الإنسان في الخيالات والأوهام، ويمضي على خلاف سنن الله ؛ أي إذا أردت أن تكون مفكراً وعالماً ابدأ بالخطوة الأولى والصفحة الأولى.
3. البحث عن المصلحة والجدوى:
في ظرفنا الزمني والمكاني الحالي أن نبحث عن المصلحة والجدوى سواء في مواقفنا وردود فعلنا واستجاباتنا، والحديث عن تعريف المصلحة ومعانيها ثم تطبيقاتها يعد جزءاً من الوعي لأننا نشاهد في زمننا الحاضر من يطبق الأوامر المجردة دون تفكير في استجاباتها الزمانية والمكانية مما يسببهم للسقوط في مآزق لأنهم لم يعيدوا تأطيرها.
4. تكامل رؤية الإنسان وتفعيل إمكاناته (الفكر، والمشاعر، والسلوك)على المستويات المختلفة (الفرد، أو المجموعة، أو الأمة).
5. النظر في زوايا التشابه والاختلاف عندما نتطرق إلى أي قضية من القضايا ، فمن الخطأ النظر إلى جوانب التشابه وحدها أو جوانب الاختلاف وحدها.
6. النظر في الصورة الكلية والإجمالية في أي موقف أو حدث أو قضية، وكذلك الدخول في التفاصيل.
7. المرونة والثبات وإشكالياتها، فمن الخطأ تحويل القضايا كلها والتعامل معها بمرونة تامة، أو بثبات تام بدون أي مرونة.
  

إشارات سريعة:
- التعامل مع الكون:
 هناك محددات للتعامل مع الكون المادي:
1. العلم والفهم والاستيعاب لسننه وقوانينه وخصائصه ودقائقه التي بناه الله عليها، وكلما مضينا على هذا الطريق كلما كنا أكثر عبودية لله تعالى
2. التسخير والانتفاع بهذا الكون، فالله وهبنا إياه وذلله لنا ، فكيف نحقق هذا المعنى؟ وكيف ننتفع به؟
3. الصيانة والحفاظ عليه، والكثير من الأحكام في ديننا أتت لصون البيئة والمحافظة عليها وتنقيتها ومنع الفساد عنها.
4. التذوق والاستمتاع بجماليات هذا الكون، كالسماء والنجوم والكواكب والنباتات، ومن ذلك قوله تعالى (من كل زوج بهيج) عند وصف الأزهار.
5. حب الكون الذي خلقنا منه ونعيش عليه وفيه مسكننا وطعامنا وشرابنا.

لكل إنسان مرشحات إن لم يتعامل معها بالوعي ستفرض عليه وهماً يظنها وعياً، ومنها:
1. الرواسب التي ترسبت في النفوس عبر التاريخ الثقافي والبيئة ومن الأسرة وغيره فأصبحت لها في النفوس قوة المعتقد واحترام القيم دون أن نعي أو ونحن نعي، فيمر كل جديد عبر هذا الفلتر أو المرشح ليعيد تشكيله، وبسبب هذا المرشح حرفت الديانات السابقة وحمل دين الله في تاريخنا كثير من المقولات التي هي آراء واجتهادات بشرية لم يأت بها دليل.
2. المعايير الشخصية التي تشكل قاعدة في اللاوعي قد لا يستطيع الإنسان تحريكها.
3. الثقافة، والتي قد لا نملك في أحيان كثيرة التحكم فيها، ولكن السؤال هل تستطيع التحكم في تأثيرها عليك؟
- فهل نتعامل مع هذه المفلترات تعاملاً واعيا؟ هل نسيطر عليها أم تسيطر هي علينا؟

- نجد أن الأئمة المجتهدين في تاريخنا يعملون على صناعة بيئاتهم ومجتمعاتهم وطاقاتهم أنهم –في الغالب- ليسوا نتاجاً لبيئاتهم، بل إنهم ينفضون الغبار الذي تراكم فأصبح الناس يعتبرونه من الحقائق. ولهذا فهم يواجَهون بثورات لأن الناس لهم طريق وهم تمردوا عليه وتعاملوا معها بوعي وعقل ومنطق.
- في كل قضية من قضاياك، سواء كانت من قضايا الفكر أو الثقافة أو غيرها فلا بد أن تحدد هدفك، وإلا فسيضيع وقتك في الطريق الخاطئ.


إجابات د. عوض القرني على أسئلة الجمهور:

السؤال: ذكرتم أن الوعي بسنن الله وبالكون يماشي الإنسان في سبيل إيصال رسالته، ولكن هناك بعض المعوقات التي يواجهها الإنسان منها الأصنام الفكرية كما ذكرتم، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) فالليبرالية والعلمانية أيهما أخطر في المواجهة، وما هو السبيل للوعي الكامل بهذه الأمور؟
الإجابة:
- لقد كنت بصدد الحديث عن القراءة والثقافة والمذاهب الفكرية والفلسفية والتيارات السياسية في المنطقة والعالم لكن الوقت لا يكفي، المخاطر التي تواجه الأمة الآن، وأرتبها من حيث خطورتها:
1. الأمراض التي تعشش في الصف الإسلامي من حيث فعاليتها لا ذاتها؛ لأن الإسلاميين هم الأطباء وحملة ميراث النبوة والمحافظون على الهوية. والحاملين لميراث النبوة من بقايا الأمة المسلمة هم أمل البشرية، ولن يتبدل حال الأمة ما لم يتبدل حال المسلمين، ولن يتبدل حال العالم ما لم يتبدل حال الأمة.
2. الأمراض التي تعشش في سواد وجمهور الأمة المسلمة، كالجهل والمعاصي وغيرها.
3. ...
4. الخطر الخارجي الذي يستهدف أرضنا ومقدساتنا وهو أقل الأخطار، فلو كانت الأمة أهلا لحماية ما لديها لما تدخل خارجي. وهنا موقع العلمانية والليبرالية التي تأخذ مكانها بسبب ضعف الأمة.
- الليبرالية فرع من فروع العلمانية، وقد حققت العلمانية إنجازا للغرب قياسا بظروف خروجها ونشأتها، ومن الخطأ أن تستورد وتستنبت في واقع مختلف، لأن ديانة النصرانية لديهم كهنوتية فقط للعبادة بعكس الإسلام.

السؤال: نلاحظ تسرب الشباب، فهل هذا ملاحظ من قبل المشايخ؟ ولماذا تحدث هذه الظاهرة؟ كيف التصرف معه خاصة حين يوضع المشايخ في قفص الاتهام؟
الإجابة:
أن يوجد من يتسرب أمر طبيعي، والقرآن تحدث عن مثل هؤلاء، لكن أن يصبح تيارا جانبيا فهذا خطير، ولا يعفينا هذا من البحث عن الأسباب، فإن كانت ناشئة من تقصيرنا نحن كدعاة فلا بد من معالجتها وتحمل المسؤولية والاعتراف وتقويم أنفسنا باستمرار، فنحن لسنا معصومين ونفرق بين من أراد الحق فأخطأ أو أراد الباطل فأصابه.
وأما الأسباب، فمنها:

  •  من الصف الإسلامي نفسه وعدم قدرتهم على التكيف مع المستجدات والارتقاء بطرقهم
  • الهجمة الشرسة على الصحوة الإسلامية
  • الضعف البشري الذي يطغى على النفس البشرية

كيف نتعامل؟
لا بد من دراستها وتحليلها والتعامل معها تعاملا رشيدا وأن نطور أساليبنا وطرقنا.

السؤال: ما هي حدود طلاقة العقل في مجال العقيدة والفكر؟
الإجابة:
* العقل لا يملكه لا صاحبه ولا الآخرين أن يحجروا عليه، فهو يتحرك ويمضي. لكن السؤال ما هي الضوابط المنهجية لنحفظ عقولنا للمحافظة عليها؟
- في قضية العقيدة لدينا غيبيات، وبالتالي دور العقل الفهم والتسليم، فالله لم يكلف عقولنا مالم تخلق له، فكيف نتحدث عن غيب لا نستطيع أن نصل إليه؟ ونوظف عقولنا فيما خلقت له.
- في العبادات والشعائر فتنتج بدعاً قد تمنع الإنسان من الاستمرار في بناء الكون. فحدت العبادات بحدود وإن كان فيها مجال للتفكير، ولكن نبقى في إطار المحدود، "الأصل في العبادات الحظر والمنع".
- في قضايا المعاملات فالأصل الإباحة، لأن القضايا الحياتية أقيمت وجبل الإنسان على فهمها.
وعندما نلتزم بهذه المعالم المنهجية نستطيع المحافظة على عقولنا.\ ونستثمر طاقتها فيما خلقت له.
- أما في قضايا الفكر فإما أن يكون في الكون المادي المحسوس، ومجاله مفتوح للتفكير والتجربة، وإما أن يكون في قضايا التشريع فلا نتبع إلا ما نزل من الله تعالى وليس فيه حجر على العقول لأنه مرفق بالأدلة والبراهين. وأصول الفقه يسمونه فلسفة الإسلام أو نظام الفكر الإسلامي ولذا فهو يواجه بعض الهجمات من العلمانيين وغيرهم.

السؤال: كيف نعالج أو نتجاوز الأمراض في صفوف الإسلامي حتى نصل للتكامل بدل الصراع؟
الإجابة:
هناك حاجة لإعادة النظر في مناهجنا التربوية، فعندما نربي على أخطاء ثم نلومهم على الأخطاء فهذا خطأ، والمشكلة تربوية ويتلوها الجوانب الأخرى. إننا بأشد الحاجة لترسيخ قيم ومفاهيم وأحكام وآداب فقه الخلاف وحقوق الأخوة والتعامل بين المسلمين، وإذا افتقدناه بين صفوف الإسلاميين هذا فأين نجده؟
والبداية تكون بنفسك، وشكل نقطة مضيئة، والنور بطبيعته مغري ويجعل الناس يقبلون عليه، ثم تتكاثر الأنوار وتنجو الأمة.

السؤال: إنكار البعض للذات المادية بالممارسات الخاطئة لماذا؟ والدور الطبيعي الذي يمارسه الصحابة كان دورا طبيعيا وبعيدا عن كثرة الحديث، فماذا نفعل نحن؟
الإجابة:
- نحتاج للنظرة الوسطية بدون إفراط أو تفريط.
- موضوع التنظير، فالمناطقة يقولون: "أول الفكر آخر العمل" وكلما كان التنظير أكثر وضوحا وبيانا وإقناعا كلما كان العمل أنضج، نحن نريد أن نكون عمليين لكن ليس بعيدا عن الفكر، والإنسان لا يستطيع أن يعمل ما لم يعلم. والصحابة كان منهم علماء ومتوسطون وعاملون. وأرى أننا في قضايا الفكر والتنظير لا زال هناك تخلف كبير.

الأربعاء، 11 أغسطس، 2010

البحوث ودورها في التواصل مع الشباب




العلاقات العامة والتواصل
أ. ناصر المانع
عضو الجمعية الدولية للعلاقات العامة



للاستماع ورقة عمل د. ناصر المانع. wma كاملة
( مع اعتذاري على التشويش في التسجيل لأنه تسجيل مباشر من قاعة المحاضرة على جهاز النوت بوك)



فكرة العلاقات العامة:
1.تحقيق التفاهم الإنساني:
  • نريد أن نتعلم كيف نصنع الثقافة وليس فقط نتحدث عنها
2. تتعلق بالتطورات الحديثة بأهداف الإدارة: 
  • أهم مدخل لتحقيق الفاعلية هي صناعة العلاقات، فكلما كان الجمهور متفاهم مع الإدارة العليا والمخرجات كانت الفاعلية أكبر، وكلما قل ذلك قلت الانتاجية.
    3. تجمع بين العلم والفن والمهارات:
    • التخصص النظري
    • الخبرة العملية
    • المواصفات الذاتية: لكل إنسان مواصفات ذاتية ينجح في وظيفة أو يخسر حساب مواصفاته الذاتية، ومن الأفضل أن يعمل الإنسان فيما يصلح لشخصيته.


    تعريف العلاقات العامة:
    • هي وظيفة إدارية تتعلق بتقييم اتجاهات الجمهور وميله.
    • العلاقات العامة هي همزة الوصل بين المنظمة وجماهيريها، فقد تكون مؤسسات ناجحة ولكن لن تكسب جمهور كما ينبغي لضعف همزة الوصل.
    • كلما تعرفنا على خصائص واتجاهات أي جمهور كلما استطعنا التأثير فيه وبناء التفاهم معه.


    ماذا نقصد باتجاهات المجتمع؟ 
    - سبب تباين الآراء بين الناس:
    • اختلاف العادات والتقاليد.
    • اختلاف القيم.
    • اختلاف القناعات.
    • النشأة الاجتماعية والبيئة التي نشأ فيها.
    • المستوى الثقافي

    - علينا أن نتعرف على اتجاهات أي جمهور لنكسب ثقته ولا نكتفي بالتعرف على عنصر واحد من هذه العناصر

    -هناك اتجاهات صنعت آراء، والآراء تصنع سلوك، فإذا أردنا التأثير في سلوك فعلينا التأثير في الرأي، وإذا أردنا أن نصنع الرأي فعلينا التأثير في الاتجاهات. فالاتجاهات تصنع آراء، والآراء تصنع سلوك.

    - بحوث التعرف على الاتجاهات خطوة مهمة في صناعة العلاقات والاتصال، لنجيب على الأسئلة: من هذا وكيف يتأثر وماهي اتجاهاته وخصائصه؟ ويمكننا الاستفادة من السيرة وتعاملات رسولنا عليه السلام.


    العلاقات العامة حسب هندسة التفاهم والإقناع:
    - التفاهم والإقناع علم وفن ومهارة.
    - تعريف المنظمة العامة للعلاقات الدولية:
    هي الجهود المقصودة والمستمرة والمخططة لتحقيق التفاهم بين أي منظمة وجماهيرها.
     - لا يجب الاقتصار في اتلواصل عند الحاجة فقط، أو تواصل غير مخطط أو مقصود، وإنما نريد الوصول لتواصل فعال.


    أهداف العلاقات العامة:
    - تأسيس هوية المؤسسة.
    - بناء صورة ذهنية عن المؤسسة أو المنظمة.
    - تحقيق القبول الاجتماعي للمؤسسة ورموزها وإداراتها للتوصل للتفاهم مع الجمهور.
    - توطيد السمعة:
    • من وظيفتنا بناء السمعة للإسلام ولمؤسساتنا وأنفسنا وعلينا أن نعمل على ذلك وهي إحدى عناصر القوة النائمة وغير محسوسة.
    • لابد من رسم سياسات تربط الأداء حتى لا يضر بالسمعة.

    - معالجة الأزمات:
    • إدارة الأزمة بيد خبير العلاقات، وهو الذي يقرر ماذا نقول وكيف نقول والاستراتيجية التي على المؤسسة اتباعها؛ لأن الأزمات لها علاقة بسمعة المؤسسة ولها علاقة بالجمهور.
    • الانتقال من الإنكار إلى الاعتراف أزمة.


    مبادئ العاقات العامة:
    - اعرف جمهورك: عليك البحث وتجميع البيانات من أجل الوصول للمعرفة والمعلومات وتحليلها ثم التخطيط بناء عليها، بالإضافة لدراسة البيئة ليتم التخطيط لعلاقات وتواصل صحية ومؤثرة.
    - العلاقات العامة تبدأ من داخل المؤسسة : لا بد من بناء العلاقات داخل المؤسسة.
    - تبادل المعلومات –بين المؤسسة وجماهيرها( الجمهور الداخلي والخارجي) يعزز الثقة
    - احترام الرأي العام ومراعاته وكسب ثقة الجمهور:
    • علينا أن نشرك الجميع في العلاقات العامة
    • تعتبر نقطة تحول في المؤسسة بقدر قدرتك على بناء العاقات
    - العلاقات العامة مهمة قيادية


    خطوات صناعة العلاقات العامة:
    1. البحوث الميدانية التي تهدف إلى الوصول إلى المعرفة حتى تكون المعرفة بديل للانطباعات، فمن الخطأ قيام التخطيط على الانطباعات ولكن عليناعمل البحوث القائمة على ذلك حتى نصل المعرفة.
    2. التخطيط القائم على معرفة -وليس انطباعات متغيرة- هي نتاج لتحليل المعلومات التي فكرنا فيها وحللناها حتى وصلنا للمعرفة.
    3. تواصل مخطط له بناء على معرفة وليس انطباعات.
      

    مستويات التواصل:
    له أربع مستويات: 
    1.مع الذات: بدون تدخل خارجي من ناس ومنه التواصل الإيجابي أو السلبي مع الذات، ولا بد من محاولة تطوير مهارات التواصل مع الذات حتى نستطيع استيعاب المشاكل وغيرها. 
    2. التواصل الشخصي: بين الأفراد 
    3. التواصل الجمعي: مع مجموعة متجانسة
    4. التواصل الجماهيري: مثل التواصل مع الإعلام حيث تراك جميع المستويات، وعلينا أن نتعلمه وفقا لضوابطه ومهاراته لأن الجميع يسمع



    بحوث العلاقات العامة:
    - هي مفتاح العمل الذي يقودنا للتعرف على الواقع.
    - من خلالها نتعرف على خصائص واتجاهات الجمهور.
    - نتعرف على قادة الرأي العام المؤثرين ومفاتيح المجتمع، ولا بد من التفريق بين القادة الحقيقيين ومن تتمنوهم.
    - تساهم البحوث في: 
    • كشف مواطن الاضطرابات 
    • تحقيق اتصال ذو اتجاهين  
    • سد الفجوة بين الإدارة العلياوالجمهور 
    • تمثل أهم مدخلات التخطيط

    * اكتشفوا فرص التعامل مع الشباب لتوصيل ما لديكم لهم
    * أهم ما يميز مافي عالمنا العربي اليوم الانفتاح، فلا يمكن لأحد أن يحجز مجتمع أو جمهور
    * أهم صورة من صور التعاطي مع الواقع الانفتاح، فالأجيال صاعدة اليوم في مرحلة تغير، إن لم نقوده بمرونة منضبطة شرعا تمكننا من قيادة مجتمعاتنا العربية الإسلامية في نقطة التحول، وإن لم تكن لدينا المرونة فسيقودها آخر

    أهم العوامل المؤثرة للتطور في مجال العلاقات والاتصال:

    1. ثورة التكنولوجيا: القنوات والنت
     

    • هدف مديري الأزمة اليوم ليست إدارة الأزمة وإنما إعادة قراءة الأزمة

    2. شدة المنافسة الصناعية والتجارية والفكرية والثقافية وما يصاحبها من تربص يقتضي منا أن نتطور في مهارات العلاقات والاتصال لأنك إن لم ترسم صورة لنفسك سيرسمها لك الآخر

    3. اختيار الديموقراطية في حسم الخلافات.